جوليا بطرس: «امرأة عاديّة» في دائرة الضوء

الثلاثاء 31 آب 2010

سناء الخوري

كإحدى العابرات في نص لمارغريت دوراس… هكذا تدخل جوليا بطرس صالون بيتها لتستقبلنا. شيء ما في أناقة جوليا، يشبه نساء الأديبة الفرنسيّة في روايتها الشهيرة «العشيق». تظهر المغنيّة اللبنانيّة في المشهد بخفّة، ومن دون ادّعاءات… كأنّها جملة قصيرة من دون صفات. جوليا ب. الشعر كان أطول. الابتسامة هافية، والوجه من دون ماكياج.
في صالون بيتها في الرابية، الشبابيك واسعة… هي هكذا جوليا ب. تحبّ ضوء النهار. نقدّم لها غلاف عدد «الأخبار» الصادر في أحد أيام خريف 2006. يومها، خصصت الجريدة صفحتها الأولى لحفلة أحيتها صاحبة «أنا بتنفس حريّة» ضمن حملة «أحبائي». تذهب جوليا مع صورة الغلاف إلى مكان ما… إلى تلك اللحظة التي قررت فيها أداء أغنية مقتبسة عن خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. صاحبة «غابت شمس الحق» ارتبط اسمها طوال عشرين عاماً بالأغنية الوطنيّة الملتزمة. من منا خرج في تظاهرة ولم يرافقه صوت جوليا وهي تسأل «وين الملايين»؟ «لكنّ «أحبائي» محطة أخرى. يتذكر أهل بيروت كيف أدانت «الستّ جوليا» بصوت عالٍ صمت الزعماء العرب على العدوان من ساحة «الإسكوا». «كانت جرأة لم أتوقعها مني»، تقول. بعضهم انتقدها لأنّها أظهرت ميولها علناً وسط الاصطفاف السياسي اللبناني الحاد. أمّا أهل الجنوب، فمنحوها بندقيّة مقاوم سقط في أرض المعركة. «هذه تجربة سترافقني طوال حياتي. أنا أعتزّ بالنصر، وأعتزّ بالناس الذين غنيت لهم «أحبائي»، لأنّهم صمدوا كشخصيّات الروايات الخياليّة».
يرنّ الهاتف. إنّه ابنها يتصل من الخارج حيث يشارك في بطولة رياضيّة. «تقبرني يا ماما. أكلت حبيبي؟ شفت شاكيرا؟» في تلك اللحظة تبدو الشهرة، والحفلات واللقاءات الصحافية، كلّها وقت مستقطع من حياة امرأة عاديّة… كأنّ جوليا ب. صارت شخصيّة عامة من دون قصد. كانت في الـ17 حين غنّت «غابت شمس الحق». تتذكر مشاهد المجزرة الإسرائيلية في الزرارية (1985)، وجنازير دبابات جيش الاحتلال تدوس السيارات. «على أثر المجزرة، كتب صديقنا نبيل أبو عبدو الكلمات، ولحنها زياد، ثمّ سجلتها في استوديو جو بارودجيان في برج حمود». تحوّلت الأغنية إلى ظاهرة في بيروت ما بعد الاجتياح، وخصوصاً أنها واكبت حركات المقاومة الشعبيّة في أوجها. مرت تسعة أشهر قبل أن يعرف الناس من تكون صاحبة الصوت الرقيق، حين استضافتها مادلين طبر في حوار تلفزيونيّ. «خاطت لي أمي تنورة وسترة بلون كاكي… كنت أنا حينها من يقولون عنها اليوم «النجمة الصاعدة»، تقول. تضحك شقيقتها صوفي لحسّ أختها الساخر. حس لا يوفّر أحداً حتى جوليا نفسها. نبرة أقرب إلى نبرة أغنياتها «منحبك» و«على شو»… صوفي هنا إلى جانبها في الصالون ذي الشبابيك الواسعة، كمشجع ورعٍ وصامت في الصفوف الخلفيّة.
تتذكران معاً أيام الطفولة في المنصوريّة (المتن). تتذكران كيف كانتا تشتهيان المنقوشة في ملعب «مدرسة راهبات الورديّة». «لم يكن وضع أهلي يسمح لنا بشراء منقوشة كل يوم. كان يوم الربع ليرة يوم عيد بالنسبة إلينا». والدهما، ابن مرجعيون (الجنوب)، كان يبيع قطع السيارات في متجره في منطقة الدورة. أمّا والدتها ابنة القدس التي هجّرت مع عائلتها الأرمنيّة من فلسطين خلال النكبة، فكانت تخيط ملابس الأولاد بنفسها. في أجواء العائلة الصغيرة كان الغناء حاضراً على الدوام: «فيروز، وزياد الرحباني، ومارسيل خليفة»… «هناك تسجيل قديم لنا أنا وزياد. أنا أغني «يا دارة دوري فينا»، وزياد يرافقني بالإيقاع عزفاً على علبة حليب «تاترا»». تنظر الأختان إحداهما إلى الأخرى وتذهبان في ضحكة طويلة من جديد.
لم تزر جوليا قريتها مرجعيون إلا بعد التحرير عام 2000. كانت أيام الصيف مخصصة لملاعب ضهور الشوير. طابع البلدة المتنية وانتماء الوالد إلى «الحزب السوري القومي الاجتماعي» ترك أثره في تكوين وعي الأبناء السياسي. «أوقف أبي نشاطه الحزبي عام 1974، لكنّه كان يقرأ لنا دوماً من كتب أنطون سعادة. لكنّني لم أنتم إلى أي حزب، لأنّني كنت ولا أزال أعتقد أن الانتماءات الحزبيّة تضعنا في إطارات جاهزة، وتحدّنا».
في المدرسة كان عندها صديقة وحيدة: لينا. «كانت الراهبات يحببنني لأنّني كنت الطالبة المثالية. لم أكن أرضَى رفع تنورتي سنتيمتراً فوق الركبة»، تقول ضاحكةً. اختارها أستاذ الموسيقى فؤاد فاضل لتكون الصوليست في الجوقة. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت الأغنية إلى جزء من سيرتها. في «يا قصص» غنّت الأمل، وأهدته إلى أبناء جيلها الطالع ــــ بندوب كثيرة ــــ من الحرب الأهليّة… ما زالت تحتفظ بخوف تلك الحرب، وصور الفلسطينيين يهربون من تل الزعتر. تحفظ وجه ذلك البوم الذي دخل بيتهم، وشكل القطط وهي تفترس جثث القتلى على الطرقات.
مع اقتراب نهاية تلك الحرب، كانت تحاول أن تتعلّم كيف تغنّي أغنية عاطفيّة. في «استوديو بعلبك» كان مهندس الصوت يرجوها قائلاً: «أحسيّ بالحب وأنت تغنين». «كنت أؤدي أغنية الحب «عَ المسطرة» حتّى جاءت «وين مسافر» وعرفت كيف أغني بحنان. غنيتها لإلياس (أبي صعب) زوجي، وكان سافر إلى لندن… وغنيتها أيضاً لجيراننا الذين قرروا الهجرة إلى كندا». تعلّمت جوليا الحب، وإذا بأغانيها الرومنسيّة تصير رفيقة لكثيرين في أزماتهم العاطفيّة.
حياة جوليا اليوم هادئة. ترى نفسها «أنضج». في الحب، لم تعد تعنيها «الثقة والعناوين الكبيرة… الحب أن يكون إلى جانبي شخص قادر على أن ينظر إلي، ويراني في كل حالاتي سواء كنت عاقلة أو مجنونة». في الفن أيضاً، رمت العناوين. «الفن ليس رسالة»، تقول. «بل شيء أقوم به لأنّه يشبهني».
نتركها مع شبابيكها الواسعة، والشرفة، ومقاعد الخيزران، وفنجان نيسكافيه شربته بنَهَم بعدما أتعبتها المقابلة الطويلة. ماذا تفعل جوليا الآن يا ترى؟ قد تكون تستمع إلى ضجيج أغنية لمغنّي الراب آكون، امتثالاً للذوق الموسيقي الذي يفرضه ولداها سامر وطارق… أو تشاهد للمرة الألف نسختها المفضّلة من فيلم Pride and Prejudice عن رائعة جاين أوستن.

 الأخبار